من الكتاب:
سفريات
بنها.. طنطا.. نفر.. العربية قايمة نفر.
كان الرجل يعوي و الميدان ساكناً، و الساعة تدق الثانية بعد منتصف الليل و رائحة الشواء تتصاعد من باعة الممبار، و قد اصطف حولهم طابور الكلاب الضالة.. و أنا وحدي أدق الأرض بحذائي، و أقرأ التلغراف في يدي للمرة الخمسين.
” زيزي انتحرت.. ابتلعت أنبوبة أسبرين. حالتها خطرة.. أحضر حالاً”.
و كيف أحضر حالاً و لا توجد قطارات و لا أتوبيسات، و عاد الرجل يعوي.. بنها.. طنطا.. نفر.. نفر.. نفر.
و قفزت إلى العربة في غير وعي.. و نظر إلي الرجل في بلاهة.
- رايح طنطا حضرتك ؟
- أيوه..
بنها.. طنطا.. نفر.. نفر.
- ما أنا أهو.. يا سيدي.. ما تتكل على الله بقى.
- فاضل لسه نفرين يا بيه.. العربية ما تقومشي إلى تسعة.
و نظرت حولي في السبعة آدمين اللذين يلفظون أنفاسهم في داخل العربة.. و تصورت اثنين آخرين.. و تصببت عرقاً.. ة رمقني الرجل من جانب عينه، ثم ما على أذني هامساً.
- تدفع دوبل ؟.
و هرشت رأسي و أجبت.
- يعني كام ؟
- يعني نص جنيه
| .
- أمري لله.. قوم بينا..
و نظر إلى الرجل مستريباً.. ثم زحف إلى جواري و قرأ الفاتحة و أدار مفتاح الماكينة، ثم ضغط بقدمه.. فانطلقت العربة تقفز و تكركر. و اكتشفت أني جالس في يء يشبه عربة اليد.. بدون نوافذ أو سقف و كان الترباس الوحيد الذي يحفظ الباب في مكانه هو يدي.. التي كان عليها أن تلتف حول أضلاع العربة لمدة ثلاث ساعات متواصلة.. و اندلق الإبريق الذي يحمله جاري على ثيابي.. و نظر الجار الفلاح إلي و طبطب على فخذي:
- معلهش.. إحمد ربنا اللي ما هو زيت.
- الحمد لله
- أنت منين يا عمي.
- من طنطا
- شي الله يا سيد.. بلديات.. ابن مين في طنطا؟.
- الطحاوي
- يا سلام ناس أصال.. الراجل فيهم زي الجنيه تمام. عم الطحاوي حلاق مليح.. حجابه مينزلش الأرض أبداً
و طهارته حلوة.. هو اللي طاهرني و أن صغير. ودق لي وشم السبع على صدري و أنا كبير. راجل فضله علينا كلنا.. و جاد الله الطحاوي الدفان.. و مسعد المغسل.. و رزق الطحاوي العرضحلجي كلهم ناس طيبين.. و حضرتك بقى صنعتك ايه ؟.
- حكيم.
- يعني حلاج زي عم أحمد.. علمت طيب. هي دي أحسن صنعة الوحد منا يجوع لكن يحلج. و دكان حضرتك فين عشان..
- في الصاغة
- في الصاغة.. لكن ده هناك حلاجين ياما جوي.
- كل واحد رزقه على الله يابوي.
تأليف: د. مصطفى محمود
المراجع
موسوعة روضة الكتب
التصانيف
تصنيف :أدب
login |