جنة الحيوان هو مجموعة من القصص، و المقالات الأدبية بقلم الدكتور طه حسين. و منها: الثعبان، حديث الأوز، قسوة، ثعلب، شياطين البيان.
مما جاء في مقالة الثعبان:
كان مشرق الوجه، باسم الثغر، خفيف الحركة، فصيح اللسان لا يكاد يجلس إلى أحد أو يجلس إليه أحد، إلا أحس جليسه من قلباً يضطرب تحمساً للإصلاح، و نفساً تتوثب إلى المثل العليا، و عقلاً لا يرى حوله إلا شراً و لا يريد أن يطمئن أو يستقر إلا إذا أزيل الشر و محيت آثاره و معالمه، و قام مقامه هذا الخير المطلق الذي يشمل كل إنسان، و كل شيء، و الذي يسبغ على من يشمله و من لا يشمله جمالاً حلواً هادئاً، و لكنه قوي ملح كأنه ضوء الشمس، لا يمنح الأشياء و الأحباء جمالاً و بهاءً فحسب و لكن يبعث فيها و فيهم حياة و خصباً و قوة و نشاطاً. و كان تحمسه للإصلاح و طموحه إلى الخير و دعاؤه إلى العدل يخرج به أحياناً عن طوره، و يتجاوز به الهدوء المألوف إلى شيءٍ من العنف لم يكن المصريون يعرفونه في ذلك الوقت. و إذا هو لا يستقر في مكانه مهما يكن هذا المكان في دار أو ناد أو قهوة أو ديوان، و إنما يثب من مجلسه ثم لا يثبت في مقامه ليتحدث إلى من حوله كما يتحدث الخطيب، و إنما يذهب و يجيء و يأتي من الحركات بيديه ما كان يخيف جلساءه على ما قد يكون حوله من الأشياء. و إذا آية الغضب تظهر في وجهه، قوية حادة فيظلم بعد إشراق و يعبس بعد ابتسام، و يتطاير من عينيه المضطربتين شرر مخيف، و يتفجر من فمه صوت هائل يهدر بالجمل التي تتتابع سراعاً في مثل قصف الموج و عصف الريح العاتية، و إذا أصحابه يأخذهم شيء من الدهش لا يلبس أن يستحيل إلى وجوم متصل و ذهول غريب، لا يدرون أهما يصوران الإعجاب و الرضى أم هما يصوران الإنكار و السخط أو هما يصوران الحذر و الخوف.
و كان من الحق أن يحذروا أو يخافوا، فلم تكن الأمور في ذلك الوقت تجري في مصر كما أخذت تجري منذ كان في مصر استقلال و حرية و دستور و برلمان، و إنما كانت الأمور تسعى متعثرة لا تكاد تنهض لتكبو و لا تكاد تمضي إلا لتقف فقد كان في مصر إحتلال أجنبي يتغلغل سلطانه الظاهر و الخفي في جميع المرافق العامة و الخاصة، و كان في مصر سلطان لكان وطني شديد الارتياب عظيم الاحتياط كثير التلون يميل إلى المواطنين مرة و إلى المحتلين مرة أخرى، و يحاول أحياناً أن يرضي أولئك و هؤلاء، فلا يظفر إلا بغضب أولئك و هؤلاء.
مما جاء في مقالة ضمير حائر:
أوى إلى سريره راضياً ناعم البال، و هب من سريره موفوراً طيب النفس، و نام بين ذلك نوماً هادئاً هانئاً لم تنغصه مروعات الأحلام. و لم يكد يخرج من غرفته حتى تلقاه الصبية من بنينه و بناته بوجوه مشرقة تتألق فيها نضرة النعيم، و ثغور جميلة تبتسم عن مثل اللؤلؤ المنضود، و حملت إليه أصواتهم الرصة العذبة تحية الصباح فردها عليهم في صوت حلو يجري فيه الحزم الصارم و يشيع فيه الحنان الرفيق، و أنفق معهم ساعة حلوة يداعب هذا و يلاعب ذاك، ثم خلص منهم بعد جهد و فرغ لنفسه ليصلح من شأنه قبل أن يغدو إلى عمله، و كان عمله خطيراً، و كان اهتمامه لهذا العمل و عنياته به أعظم منه خطراً، لأنه كان قوي الضمير حريصاً أشد الحرص على أداء الواجب كاملاً، و إن أبغض شيءٌ إليه أن يتهمه أحد أو أن يتهم هو نفسه بأيسر تقصير.
من أعمال طه حسين: “دعاء الكروان”، ” المعذبون في الأرض”، “حديث الأربعاء”، “مستقبل الثقافة في مصر”، “الأيام”، و “على هامش السيرة”.
جنة الحيوان
كُتب يوم 11 سبتمبر, 2011
تأليف: طه حسين
المراجع
موسوعة روضة الكتب
التصانيف
تصنيف :ثقافة