إبراهيم بن آزر

ولد سيدنا إبراهيم في بابل بالعراق وهاجر مع والده وزوجته سارة قاصدين أرض الكنعانيين (بلاد بيت المقدس) فأقاموا بحران وهي أرض الكلدانيين وكانوا يعبدون الكواكب السبعة. وكان كل أهل الأرض يعبدون الأصنام ما عدا إبراهيم وسارة وابن أخيه لوط. ويعد سيدنا إبراهيم السبب الذي أزال الله به كل تلك الشرور ولقد بدأ سيدنا إبراهيم دعوته بأبيه آزر قال تعالى: {يا أبت إني قد جاءني من العلم مالم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سويا} مريم 43 إلا أن أباه لم يقبل بنصيحته وبدعوته، بل هدده وتوعده قال تعالى {أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم، لئن لم تنته لأرجمنك} مريم 46.
فحزن إبراهيم على أبيه وقال له سأدعو لك ربي أن يهديك، وفعلاً دعا إبراهيم لأبيه بالهداية والرجوع إلى الصرط المستقيم، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ومن آلهته ومما يعبد..وقد كان أهل حران يعبدون الكواكب كما ذكرنا فسألوا إبراهيم عن آلهتهم فقال لهم هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله إنما لا تضر ولا تنفع، ولكنها تطلع وتغيب وتكبر وتصغر قال تعالى: {فلما جن عليه الليل رأى كوكباً، قال هذا ربي، فلما أفل قال لا أحب الآفلين، فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي، فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين، فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر، فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجهي....} الأنعام 75ـ83 فبين لهم أولاً عدم صلاحية هذه الكواكب للعبادة ثم بّين أنها مسخرة مسيرة مقدرة مربوبة وأما أهل بابل فكانوا من عبّاد الأصنام فدعاهم إى نبذ آلهتهم وأصنامهم وصغرها.
قال تعالى:«ما هذه التماثيل التي أتم لها عاكفون». فما كان ردهم وحجتهم إلا أنهم قد ورثوها عن آبائهم، فأقام الحجة عليهم فقال لهم سلموا عليهم، هل تسمع أحداً هل تضر وتنفع احداً منكم فصمم سيدنا إبراهيم على تحطيم آلهتهم فقال: {وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين} الأنبياء»75.
فلما خرجوا إلى عيدهم واستقر هو في بلدهم ذهب إلى مكان آلهتهم مسرعاً فوجدها في بهو عظيم وقد وضعوا بين أيديها أنواعاً من الأطعمة قرباناًلها فقال لها على سبيل الاستهزاء: {ألا تأكلون مالكم لا تنطقون، فراغ عليهم ضرباً باليمين} الصافات91ـ93.فكسرها جميعها إلا كبيرهم فقد وضع الفأس في يده وقد قصد من فعله هذا أن كبيرهم لا يريد أن يعبد أحد معه. فلما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حل بآلهتهم تساءلوا عن الفاعل إلى أن أرشدهم أحدهم إلى إبراهيم فقد سمعه يذكرها بالسب والنقص وقد توعدها لتحطيمها.
فأحضروه وسألوه عمن فعل هذا بآلهتهم فقال لهم اسألوا كبيرهم فهو شاهد على ذلك فرجعوا إلى أنفسهم لبرهة وأدركوا مدى ضلالهم، إلا أنهم عادوا في طغيانهم وأخذتهم العزة بالإثم واستنكروا فعله هذا وقرروا أن يضرموا ناراً كبيرة ويلقوه فيها فشرعوا يجمعون حطباً من جميع ما يمكنهم من الأماكن فإذا ما أضرموا النار تأججت واضطرمت وعلا لهيبها وعلا لها شرر لم ير مثله قط.
ثم وضعوا إبراهيم عليه السلام في منجنيق وقد صنع لأول مرة من قبل رجل كردي يقال له «هيزن» فقيدوه وربطوه وكان يقول:لا إله إلا أنت سبحانك، رب العالمين، لك الحمد، ولك الملك لا شريك لك.وعندما ألقوه في النار قال:حسبي الله ونعم الوكيل.وقد روى ابن عباس أنه قال: جعل ملك المطر يقول:متى أومر فأرسل المطر فكان أمر الله أسرع:«قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم».فما أحرقت منه إلا وثاقه بل إنها كانت شديدة البرودة فكانت كلمة«سلاماً» من شدة البرودة فصار سيدنا إبراهيم في روضة خضراء، والناس ينظرون إليه لا يقدرون على الوصول إليه، عندها قال أبوه: نعم الرب ربك يا إبراهيم. فأرادوا أن ينتصروا فخذلوا، وأرادوا أن يرتفعوا فاتضعو، وأرادوا أن يغلبوا فغلبوا وقال تعالى:«وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين»الأنبياء ـ70.
وقد ورد في الحديث الشريف الذي روته السيدة عائشة أن رسول الله قال: اقتلوا الوزغ وهوسام أبرص ـ فإنه كان ينفخ النار على إبراهيم.
إبراهيم مع النمرود الضعيف:بعد أن بقي سيدنا إبراهيم عليه السلام في جنة النار الأرضية خمسين يوماً خرج منها سليماً معافى، وكان النمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح من ملوك هذه الدنيا الضالين المضلين المتجبرين.فدعاه سيدنا إبراهيم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فتجبر وتكبر وادعى الربوبية {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت، قال أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين} البقرة258.
فالنمرود عندما ادعى الألوهية واجهه سيدنا إبراهيم وقال له: إن الله يحيي ويميت فهل بامكانك فعل ذلك، قال النمرود وأنا أحيي وأميت،فأحضر رجلين من المسجونين في حبسه فأمر بإطلاق أحدهما وأمر بقتل الآخر. فقال سيدنا إبراهيم: فإن الله يأت بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فهذه من قدرة الله عز وجل فهو القادر على كل شيء وهو خالق كل شيء فبّين له ضعفه وعجزه وكذبه، فلم يستطع الإجابه و«بهت» فقرر النمرود القضاء على سيدنا إبراهيم والمؤمنين الذين معه.
ويقال أن الله تعالى قد بعث إلى النمرود ملكاً آخر يأمره بالإيمان بالله فأبى ذلك فجمع كل منهما جيشه يريد الآخر، فأرسل الله تعالى عليه ذباباً من البعوض وسلطه عليهم بحيث لم يروا عين الشمس فأكلت لحومهم وامتصت دماءهم. وقد دخلت واحدة من هؤلاء الذباب في أنف النمرود فمكثت فيه مدة أربعمائة سنة عذبه الله تعالى بها. فكان يضرب رأسه بالحيطان والأبواب في هذه المدة كلها من شدة ألمه حتى أهلكه الله تعالى بها.
إبراهيم وهجرته إلى بلاد الشام:ثم إن سيدنا إبراهيم خرج من أرض بابل هو وابن أخيه لوط وزوجته سارة وعندما وصلوا إلى بيت المقدس أوحى الله إليه:اني جاعل هذه الأرض لخلفك من بعدك عندها بنى إبراهيم عليه السلام مذبحاً شكراً لله وكان وقتها زمن قحط وشدة، فرحلوا إلى مصر، حتى وصلوا إلى أرض يحكمها أحد الجبابرة، فقيل له إن ههنا رجلاً ومعه امرأة من أحسن الناس ـ وقد كانت السيدة سارة أجمل نساء ذلك الوقت وأنه لم يكن أجمل منها قط سوى حواء ـ فأرسلوا إلى إبراهيم وسألوه من هذه فقال: أختي، فجاء إلى سارة وقال لها: يا سارة..ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي فلا تكذبينني فأرسلت إلى الملك، فلما دخلت عليه وكانت تتعوذ بالله، فكان عندما يريد أن يتناولها أُخِذَ فقال لها: ادعي الله لي ولا آخذك. فدعت الله، فأطلق ثم تناولها الثانية مثلها: أوأشد، فقال: ادعي الله لي ولا آخذك، فدعت فأطلق فدعا بعض حجبته فقال: إنكم لم تآتوني بإنسان، وإنما اتيتموني بشيطان ووهبها هاجر لتخدمها. فعادت إلى سيدنا إبراهيم وكان يصلي لله ويدعوه فقالت له لقد ردّ الله كيد الكافر في نحره.
وقد روى أبو هريره عن رسول الله قال:«لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات. 1 قوله حين دعاه قوم أبيه للخروج معهم يوم عيدهم «إني مريض» وذلك كي يحطم آلهتهم.2م وقوله عندما سأله قومه من فعل هذا بآلهتنا: اسألوا كبيرهم.3ـ وقوله عن سارة للجبار إنها أختي.
وقد روى في بعض الآثار أن الله تعالى قد كشف الحجاب فيما بين إبراهيم وبين زوجته سارة فكان مشاهداً لها وهي عند الملك وكيف عصمها الله منه، ليكون ذلك أطيب لقلبه وأقر لعينه وأشد لطمأنينته، فإنه كان يحبها حباً شديدا لدينها ولقرابتها منه وحسنها الباهر.
ثم عاد خليل الله من مصر إلى الأرض المقدسة وكان معه أنعام وأموال وعبيد وأرسل ابن أخيه لوط إلى قرية سدوم ومعه أموال كي يدعوهم فتسلط عليه أشرار هذه المدينة وخلصوه أمواله فلما بلغ الخبر لرسول الله إبراهيم أدركه مع بعض خيالته فأنقذ لوطاً واسترجع أمواله وقتل أعداء الله وتبعهم إلى حدود دمشق حيث نزل في منطقة برزة وأقام هناك مقاماً لا يزال للآن ثم عاد مؤيداً منصوراً إلى قومه وتلقاه ملوك بيت المقدس فعظموه وكرموه واستقر هناك صلوات الله وسلامه عليه.
ـ إبراهيم وقصته مع ولده إسماعيل: بشر الله تعالى إبراهيم بذرية طيبة، فلما كان لإبراهيم ببيت المقدس عشرون سنة قالت سارة له:إن الله قد حرمني الولد، فأدخل على أمتي هاجر لعل الله يرزقك منها الولد، فحين دخل بها إبراهيم حملت منه، فلما حملت هاجر من إبراهيم ارتفعت نفسها وتعاظمت على سيدتها فغارت منها سارة فطلبت من إبراهيم ان يبعدها من هذا البلد، فما إن ولدت هاجر إسماعيل حتى أخذها وولدها باتجاه شبه الجزيرة العربية.ووضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء.
فوضعهما هناك وترك عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء وعندما همّ إبراهيم بالذهاب تبعته أم إسماعيل وتعلقت به وقالت له: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شيء! فكان لايجيبها،فكررت عليه،وقالت:آالله أمرك بذلك قال: نعم. قالت إذن لا يضيعنا، فرجعت إلى ابنها. فانطلق إبراهيم حتى إذا وصل عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بدعائه المشهور في كتاب الله تعالى:«ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون»إبراهيم37.
فبقيت أم إسماعيل ترضع وليدها وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، فنظرت إليه فوجدته يتلوى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر لعلها ترى أحداً، فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا وأتت المروى فقامت عليها ونظرت هل ترى أحداً وفعلت ذلك سبع مرات، إلى أن سمعت صوتاً، فإذا هي بالملك عند بئر زمزم فلمحت مكانه ماء فجعلت تحث فيه وتغرف من الماء في سقاءها، وهو يفور بعدما تغرف وهكذا عاشت مع وليدها فترة إلى أن مرت بهم قبيلة جرهم ورأوا الماء فاستأذنوا منها أن يقيموا عندها، فأذنت لهم، وشب إسماعيل وتعلم العربية منهم وأعجبوا به وزوجوه إمراة منهم.
وتوفيت أم إسماعيل، وكان سيدنا إبراهيم يزور ابنه بين الحين والآخر،إلى أن أتاه يوماً وقال له: يا إسماعيل: إن الله قد أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك به ربك قال: وتعينني قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتاً. عند ذلك رفعا القواعد من البيت، فكان إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني وهما يقولان:«ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم».
الذبيح: معروف إن ولد إبراهيم البكر هو إسماعيل وإن إسحق قد بشر به إبراهيم وكان عمر إسماعيل حينها ثلاثة عشر عاماً، فلما شب إسماعيل وأطاق العمل والسعي، رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يؤمر بذبح ولده هذا.
وهذا اختبار من الله عز وجل لخليله في أن يذبح ولده ووحيده العزيز الذي جاءه على كبر، فامتثل أمر الله في ذلك وسارع إلى طاعته، ثم عرض ذلك على ولده ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه «فقال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى» الصافات ـ102 فما كان من إسماعيل إلا السمع والطاعة والامتثال لأمر رب العالمين:«يا أبت أفعل ما تومر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين»الصافات ـ104ـ
وعندما استسلما لأمر رب العالمين وعزما على ذلك، فوضعه على الأرض وسمى إبراهيم وكبّر وتشهد الولد للموت ومرر السكين على رقبته لكنها لم تقطع شيئاً وعند ذلك نودي من الله عز وجل: {أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} وقد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك، ومبادرتك إلى أمر ربك، قال تعالى:«وفديناه بذبح عظيم»الصافات ـ201ـ فقد وجد أمامه كبشاً أبيض أعين اقرط رأه مربوطاً بشجرة في ثبير فذبحه في منى. إبراهيم مع إسحق: قال تعالى {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين، إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً، قال سلام قوم منكرون،فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امراته في صرّة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم، قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم} الذاريات -24-30.
ذكر أن ثلاثة من الملائكة قد مروا على إبراهيم وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل، فحسبهم ضيوفاً وقد كان سيدنا إبراهيم يلقب بأبي الضيفان، فعاملهم معاملة الضيوف وشوى لهم عجلاً سميناً فلما قربه إليهم، لم ير لهم همة إلى الأكل بالكلية، فخاف منهم، فقالوا له لا تخف إنا مرسلون إلى قوم لوط لنعذبهم.
فاستبشرت سارة بذلك فبشروها بإسحق فاستغربت وتعجبت قائلة: كيف يولد لمثلي وأنا عجوز طاعنة في السن عقيم وهذا زوجي شيخ كبير. فقالوا لها إنه أمر الله وإرادته. ووصفوه لهما بأنه غلام صادق الوعد صابر وكذلك بشروهما بولده يعقوب من بعده: {فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحاق يعقوب} وقد عاش سيدنا إبراهيم مائتي سنة وقد توفيت زوجته سارة قبله وقد دفنها في مغارة في حبرون في فلسطين، ثم تزوج بعدها «رفقا» ومن بعدها قنطورا «وقد قيل إنه توفي فجأة عليه السلام وقيل مرض ومات.
وقد دفن في خبرون وهي البلد المعروفة اليوم بالخليل وهذا أمر منقول بالتواتر، وقد دفنه ولداه إسماعيل وإسحق اللذان دفنا هناك أيضاً، فينبغي أن تراعى تلك الأرض وأن تجل أن يداس في أرجائها خشية أن يكون قبر الخليل أو أحد أولاده الأنبياء عليهم السلام تحتها.
 

المراجع

alencyclopedia.com

التصانيف

قصص الأنبياء   شخصيات إسلامية   أنبياء ورسل   الدّيانات