الجزء الأول

المثالية والواقعية كسلوك شخصي:

هناك واقعية بمعنى الاستسلام للواقع والخضوع والتبعية له أو بمعنى مجاراته أو بمعنى مسايرته واعتياده، وهناك واقعية تحركها مثالية فتحاول تجاوز الواقع دون حالمية، فيحاول المرء أن يفهم الواقع (أي ما يقع بالفعل في محيط الزمان والمكان) ويقرر بناء على قراءته تلك  في خطوات بعيدة المدى أو قصيرة المدى بحسب نضجه وقدرته على التوقع والرؤية الاستراتيجية، ومن هنا تلازم الواقعية مع المثالية أنتج حركة مؤثرة فاعلة ليست خيالية ولا حالمة.

فهو يفهم أن من الواقعية فهم الواقع بأبعاده الزمانية والمكانية وليس الرضوخ له والتكيف مع ما يرفضه فيه، وأن المثالية هي تصور ونماذجية للقيم العليا والفضائل والمبادئ والغايات الكبرى التي يضعها الإنسان كفرد أو كجماعات ( مؤسسات /  دول /  .. إلخ )؛ ولأن لكل هدف تصور نموذجي له ولكل سلوك في الحياة تصور نموذجي له، فهذه النماذجية أو القيمية هي المثالية وهي الميزان الذي يزن به الواقعي أفكاره ومفاهيمه.

وبالتالي يدرك جيدًا أن التفكير بدون صورة مثالية كمن يسير في طريق دون أن يعرف الهدف، ولو أن الهدف لم يكن مثاليًا ما وصل المرء إلى ما يمكن أن يقوم به بأعلى قدراته وممكانه، ولو أنه غير واقعي كان هدفه حالمًا وليس مثاليًا.

كيف نفكر ؟

النون هنا يجب أن نحدد ماذا نقصد بها، هل نقصد أنفسنا كأفراد -كل يفكر على حدته- أم أفراد يُشكلون مؤسسة أو كيان أو فئة في أيديهم صناعة القرار أم أنهم أفراد يحاولون شق طريق التغيير والدفع نحو أي خطوة يرون صحتها فيما يسمى أحيانًا الكتلة الحرجة أو الكتلة المتحركة، أو المجموعات الناشطة أم نقصد الجماهير في عمومها أو القاعدة الشعبية التي تتأثر سلبًا أو إيجابًا بالأقوى سواء أكان الأقوى كقيادة لها أو الأقوى كسلطة أو الأقوى كدولة، أو إعلام أو قوة عسكرية؟

الجماهير بشكل عام لا تفكر بواقعية لأن ما يقودها هو محفزات شعورية وجدانية وغالبًا تتمرد على الواقع لذا ليس من المنطقي دفعها لتبني التفكير العقلاني الواقعي فليس هذا من واجبها، وإنما من واجب فئتين: صناع القرار، والكتلة المدركة.

أولًا: صناع القرار:

أولئك الذين عليهم أن يضعوا على الطاولة خارطة الواقع بأبعاده المكانية والزمانية وشبكة العلاقات بداية من الخصوم إلى المنتفعين إلى المؤيدين والمعارضين، وخارطة العالم وتوازنات القوى فيه، وما يتعلق بذلك من فهم للأطراف ومصالحها ومنطلقاتها وتوقع الخطوات المستقبلية.

ومن أخطر الأشياء أن ينصاع القادة إلى ضغط جماهيرهم وليس العكس، فيحركهم التفكير الجمعي ولا تحركهم قراءتهم للمشهد بواقعية، ومن الخطر أيضًا غياب المثالية فتخلو القرارت من القيمية والمبادئية والاتساق مع الغايات الكبرى التي يدعو لها جماهيره؛ لذا فعبئ تبني الواقعية على هذه الفئة أكبر بكثير من الثانية، ويبقى الدور الأهم على الخطاب -أي اللغة لترجمة واقعية الآداء- إلى خطاب عاطفي تحفيزي ليؤثر على الجماهير، فالجماهير بطبيعتها لا تفهم الأرقام والمعطيات والحقائق ولكن تفهم جمل تعبيرية بلاغية محفزة.

هؤلاء عليهم أن يخرجوا من قيد مفهوم الواقعية التقليدي والذي كان على مر السنوات الماضية له صور سلبية جعلت هناك فوبيا من التفكير فيه خوفاً من الجماهير وليس قناعة به أو رفضاً له، وهو ما سيجرنا جراً إلى نقد  مفهوم الواقعية السياسية الحالي ومحاولة الحفر لتدشين مفهوم مغاير يعتبر بالقيم والمبادئ التي لا يمكن التخلي عنها، هذا المفهوم الذي ارتبط بمفهوم  آخر هو العقلانية بما يبرر أي وسيلة في سبيل تحقيق الغاية، وحتى يومنا هذا توجد حاجة ماسة لبناء تصور سياساتي للعقلانية السياسية نابع من خريطة إدراكية تتبنى منظومة القيم الحاكمة المعبرة عن الهوية العربية والإسلامية، وحتى هذا الحين من الخطر أن ينجر صناع القرار إلى حكم الجماهير الثائرة المتأثرة بالقهر والعنف فيعميهم هذا عن تلمس سبل واقعية للخروج من الأزمات، ومن الخطر أيضاً الميل كل الميل نحو الواقعية على طريقة ميكافيلي العقلانية والتخلي عن المثالية بمفهومنا عنها وهي الاعتبار بالقيم والمبادئ.

ثانيًا: الكتلة المدركة:

وهم الأفراد الذين يحاولون التخلص من التفكير الجمعي ومن الفكر الجماهيري والانصياع إلى المحفزات والمهيجات العاطفية كي يكون لهم تأثير حقيقي على مجريات الأمور  وهو ما يدفعهم إلى تفهم أهمية الانطلاق من تفكير واقعي ربما ترفضه الجماهير وتتمرد عليه كما حدث في الحالة المصرية عندما رفضت جماهير اعتصام رابعة العدوية أي محاولات للخروج من المأزق بمسار وحوار سياسي  قبل فض الاعتصام وكما رفضت الجماهير المؤيدة للسيسي تقبل فكرة أن معتصمي رابعة لهم حق في التعبير عن رأيهم لاستسلامهم لسلطة الإعلام وتشويه الحقائق التي دفعتهم فيما بعد لتصديق الكثير من الأكاذيب وتحويل الشريك في الوطن إلى عدو وخائن.

فالمقصود بالتفكير بعقلانية مثالية هنا هم أولئك الأفراد الذين عليهم أن يتخلصوا من قيد الجماهير كي يدفعوا بالحراك إلى خطوات إيجابية بشكل عام.

والمثالية هنا تعني عدم التخلي عن المبادئ والقيم والمثل العليا، والواقعية هنا تعني الانطلاق من حقيقة الواقع وتركبيته وأدوات الفعل السياسي الحقيقي ومقومات نجاح العمل الثوري وامتلاك أدواته بعيدًا عن الحالمية وخيالية التفكير، وهم هنا يقدرون تمرد الجماهير ولا يحاولون عقلنتها ولكنهم أيضًا يتفهمون أهمية المسارات الأخرى ويحاولن دفعها إلى الأمام، فهم كخلايا نشطة ووقود دافع لكل عمل يتسق مع المبادئ والقيم العليا وأرجلهم تتحرك على الأرض بواقعية.

إن استطاعات المؤسسات المعنية بالتنظير ووضع السياسات أن تتبع هذه الفلسفة التي لا تغفل القيم العليا والمبادئ والمثاليات ونهج التفكير الإستراتيجي فإن خطوات للأمام ستحرك مجتمعاتنا ربما لا تتفهمها الجماهير والشعوب في البداية لكن على صناع القرار والقادرين على قيادة الحراك المجتمعي أن يكون لديهم هذه النظرة الثاقبة والقدرة على الإبصار والمدارك المتسعة.


المراجع

feker.net

التصانيف

الفلسفة   فكر   العلوم الاجتماعية