في السبب الموجب لوقعة الجمل

قال الشيخ المفيد (1) ; في أرشاده (2) :
روي عن ابي ذر جندب بن عبدالله الغفاري 2 قال : دخلت على أمير المؤمنين علي بن ابي طالب 7 بالمدينة في زمن خلافة عثمان 2 فرأيته مطرقاً رأسه ـ كئيباً ـ فقلتُ له : جعلتُ فداك ، ما أصاب قومك ؟!
فقال 7 : صبراً جميل والله المستعان.
__________________
(1) هو محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام بن جابر بن النعمان بن سعيد بن جبير ، المعروف بابن المع لم لان اباه كان معلماً بواسط.
وكان من اجلاء مشايخ الشيعة ورئيسهم واستاذهم ، قال عنه النجاشي :
فضله اشهر من ان يوصف في الفقه والكلام والرواية. ولد سنة 336 ه‍ وتوفي سنة 413 ه‍ ، وصلّى عليه الشريف المرتضى بميدان الاشنان ، وضاق على الناس مع كبره ، ودفن في داره سنين ثمّ نقل الى مقابر قريش بالقرب من الامامين الكاظم والجواد. انظر : النجاشي : 399 ، لسان الميزان 5 : 368 ، الفهرست : 279 ، تاريخ بغداد 3 : 31.
(2) الارشاد 1 : 241 ، 242 مع بعض الاختلاف اليسير.
 
فقلت : والله إنّك لصبور.
قال : « فماذا أصنع ؟! ».
قلتُ : قُم وادع الناس الى نفسك ، واخبرهم أنّك اولاهم بالقيام واحقهم بالامر ، لما فضلك الله تعالى عليهم وعظم شأنك فيهم ، وقد سبق لك النصّ الصريح من رسول الله 6 في اماكن عديدة سمعوها منه 6.
فإن دان لك الكل وتمّ لك الامر ذلك ما كنا نبغي ، وإلا فلا بد من ان يجيبك عشرة فتميل بهم على المتمردين اخوان الشياطين ، فينصرك الله تعالى عليهم ، لأنّك على الحقّ وهم على الباطل ، وهو قوله تعالى :
( وَيُحِقُّ اللهُ الحَقَّ بِكَلِمتِهِ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ ) (1). وقوله تعالى : ( كَم مِّن فِئَةْ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَة بِإذنِ اللهِ واللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (2).
فقال 7 : « أتراهُ يا ابا ذر ؟! ».
قلتُ : والله ، إني لأرجو لك من اللهِ ذلك.
قال 7 : « اني لا أرجو من كلِّ مائةٍ اثنين ، ألست تعلم من اين ذلك ؟ ، انما تنظر الناسُ الى قريشٍ ، وإنّ قريشاً تقول : إنّ آل محمّدٍ
__________________
(1) يونس 10 : 82.
(2) البقرة 2 : 249.
 
يرون لهم فضلاً على سائر الناس ، وإنّهم اولى بالامر من دون قريش ، وإنّهم إنْ وَلُوهُ لم يخرج عنهم هذا السُّلطان الى احدٍ ابداً ، وحتى كان في غيرهم تداولتموهُ بينكم ، ولا ـ والله ـ لا تدفعُ قريشٌ إلينا السُّلطان وهم خاضعون ابداً ».
فقلتُ : أفلا تأمرني أرجعُ في آخرِ النّاس بمقالتك هذهِ ، فأقم وادعهم إليك.
قال [ لي ] : « يا ابا ذر ، ليس هذا زمان ذلك ».
قال أبو ذر ; : فمضيتُ الى العراق ، فكلّما حدثتُ الناس بشيءٍ من فضائل أمير المؤمنين 7 ومناقبه التي أوجَبَها الله تعالى له على عباده بنصِّ رسول الله 6 ، زبروني وأهانوني ، حتى إنهم رموني الى الوليد بن عُقبه فحبسني (1).
قال جدّي حسن المؤلف ( طاب ثراه ) (2) : وفي يوم السبت ثامن عشر من ذي الحجة سنة 35 من الهجرة بايعت الناس أمير المؤمنين عليّ بن ابي طالب 7 من المهاجرين والانصار وقوم من قريش وغيرهم ، فمنهم مَنْ أظهر الوفاق وهو مصر على النفاق.
فأمر 7 كاتبه عبدالله بن رافع بتقسيم ما في بيت المال على المهاجرين لكل رجل ثلاثة دنانير ، ثمّ على الانصار مثل ذلك ، ثمّ من
__________________
(1) في الارشاد : الوحيد بن عقبه والصواب كما في الاصل.
(2) جده بدر الدين حسن النقيب مؤلف ( زهر الرياض ) سنة 992 ه‍.
 
حضر من الناس كلهم الاحمر والاسود فيما صنع به مثل ذلك.
فقال سهيلُ بن حنيف الانصاري : يا أمير المؤمنين ، هذا غلامي بالامس فاعتقته اليوم (1).
فقال 7 : نعطيه كما نعطيك ، فأعطاه ثلاثة دنانير ولم يفضل أحداً على احدٍ.
وقد تخلف يومئذٍ عن المبايعة له عبدالله بن الزبير ، وجماعة من قريش ، وطلحة بن عبدالله ، والزبير بن العوام ، وعبد الله بن عمر ، وسعيدُ بن العاص ، ومروان بن الحكم ، وسعد بن ابي وقاص ، ومحمد بن مسلمة ، وحسان بن ثابت ، واسامةُ بن زيد ، وغيرهم من قريش. فصعد 7 المِنبَر ، وحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبيّ 6 ، ثمّ قال 7 (2) :
« أيُّها الناس ، إنّكم بايعتموني على ما بُويعَ (3) عليه غيري مَنْ كانَ قَبْلي ، وإنَّما الخيارُ الى الناسَ قبلَ أنْ يُبايعوا فإذا بايَعُوا فلا خِيارَ لهُم ، وإنّ على الامام الاستقامة (4) وعلى الرّعيّةِ الاطاعة والتسليم ، وهذه بيعةٌ عامةٌ ، فَمَنْ رَغِبَ عنه رغب عن دين الاسلام واتبع غيرَ سبيل الهُدى (5) ،
__________________
(1) بحار الانوار 32 : 38 ح 24 ، آمالي الشيخ الطوسي 2 : 298.
(2) الارشاد 1 : 243 مع بعض الاختلاف اليسير.
(3) في النسخة الخطبة : بايعتموني برضى منكم واختيار على ما بويع.
(4) في الخطبة : على الاستقامة.
(5) في الارشاد : اهله.
 
ولم تَكُنْ بَيعتكم لي فلتة وليسَ أَمري وأمْركُم واحداً ، ألا وإِنّي أريدُكم للهِ عزّوجلّ وأنتم تريدونني لأَنْفُسِكُم ، وايْمُ اللهِ ، لأَنصحَنَّ (1) للخصوم ، ولأنصفنَّ للمظلوم (2) ، وقد بَلغني عن ( عَبْدُاللهِ وسعدٍ ومروانٍ ومحمدٍ وحسانٍ واسامةٍ ) (3) امورٌ كَرِهْتُها ، والحقُّ بيني وبينَهُم ».
قال : فجلسوا جميعاً ، وتحدثوا نجياً ، ثمّ جاء إليه الوليد بن عُقبة بن ابي معيط وقال : يا أبا الحسن ، إنّك قد وترتنا جميعاً ! اما انا فقتلت ابي يوم بدر صبراً ، وخذلت اخي يومَ الدار.
واما سعيد فقتلت اباه يوم بدرٍ في الحرب وكان ثور (4) قريش.
واما مروان فسخفت (5) أباه عند عثمان إذ ضمه إليه (6).
ونحنُ نبايعك اليوم على ان تضع عنّا ما قد صنعنا ، وان تقتل قتلة
__________________
(1) في الاصل : لانصحى وهو تصحيف ، وقد أثبتناه من الارشاد.
(2) في الاصل : لا نطعن وهو تصحيف ، والصواب كما اثبت من الارشاد.
(3) في الارشاد [ سعد وابن مسلمة واسامة وعبد الله وحسان بن ثابت ].
(4) سقطت من الاصل وهكذا وردت في البحار.
(5) في الاصل : فأستخفيت فهي لا تلائم العبارة والصواب كما في البحار.
(6) ما ذكره المسعودي في مروج الذهب م 2 : 362 قال : واتاه جماعة من تخلف عن بيعته من بني اميّة : منهم سعيد بن العاص ، ومروان بن الحكم ، والوليد بن عقبة بن ابي معيط ، فجرى بينه وبينهم خطب ، وقال له الوليد : إنا لم نتخلف عنك رغبة عن بيعتك ، ولكنا قوم وترنا الناس ، وخفنا على نفوسنا ، فعذرنا فيما نقول واضح ، اما انا فقتلت أبي صبراً ، وضربتني حدا ، وقال سعيد بن العاص كلاماً كثيراً وقال له الوليد : اما سعيد فقتلت اباه ، واهنت مثواه ، واما مروان فإنّك شتمت اباه ، وعبت عثمان في ضمه اياه.
 
عثمان ، فإنّا ان خفناك تركناك والتحقنا عنك الى غيرك.
فقال 7 : « اما وتري فالحق وتركم ، وأما وضعي عنكم [ ما اصبتم فليس علي ] انه مالي ان اضع حق الله عنكم ولا عن غيركم ، وما قتلة عثمان فلو لزمني قتلهم لقتلتهم بالامس ، ولكن لكم عليّ ان خفتموني ان أؤمنكم وان خفتكم ان أسيّركم ... فمضى الوليد الى أصحابه واخبرهم فتفرقوا على أظهار العداوة [ وأشاعة الخلاف ] (1) ، وكتبوا الى معاوية بن ابي سفيان بالشام يستنهضونه في طلب دم عثمان ، وأوعدوه بالقيام معه وان يكونوا له اعواناً وانصاراً ، فأجابهم الى ذلك الا انه المؤثور (2) عليهم.
 

المراجع

مكتبة كوفان

التصانيف

الآداب   كُتب   السيرة والتاريخ